تفسير الطبريالجزء الثامن › سورة الأنعام › القول في تأويل قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به}

ابحث في الصفحة

10961 - حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد، ثني القاسم بن محمد، عن عائشة قالت، وذكرت هذه الآية {أو دما مسفوحا} قلت: وإن البرمة ليرى في مائها الصفرة.

وقد بينا معنى الرجس فيما مضى من كتابنا هذا، وأنه النجس والنتن، وما يعصى الله به، بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. وكذلك القول في معنى الفسق، وفي قوله: {أهل لغير الله به} قد مضى ذلك كله بشواهده الكافية من وفق لفهمه عن تكراره وإعادته.

واختلفت القراء في قراءة قوله: {إلا أن يكون ميته} فقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة: {إلا أن يكون} بالياء {ميته} مخففة الياء منصوبة على أن في يكون مجهولا، والميتة فعل له فنصبت على أنها فعل يكون، وذكروا يكون لتذكير المضمر في "يكون ". وقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة والكوفة: "إلا أن تكون" بالتاء "ميته" بتخفيف الياء من الميتة ونصبها. وكأن معنى نصبهم الميتة معنى الأولين، وأنثوا تكون لتأنيث الميتة، كما يقال: إنها قائمة جاريتك، وإنه قائم جاريتك، فيذكر المجهول مرة ويؤنث أخرى لتأنيث الإسم الذي بعده. وقرأ ذلك بعض المدنيين: "إلا أن تكون ميتة" بالتاء في "تكون"، وتشديد الياء من "ميتة" ورفعها، فجعل "الميتة" اسم "تكون"، وأنث "تكون" لتأنيث "الميتة"، وجعل "تكون" مكتفية بالاسم دون الفعل، لأنه قوله: "إلا أن تكون ميته" استثناء، والعرب تكتفي في الاستثناء بالأسماء عن الأفعال، فيقولون: قام الناس إلا أن يكون أخاك، وإلا أن يكون أخوك، فلا تأتي ليكون بفعل، وتجعلها مستغنية بالاسم، كما يقال: قام القوم إلا أخاك وإلا أخوك، فلا يعتد الإسم الذي بعد حرف الاستغناء نفلا. والصواب من القراءة في ذلك عندي: {إلا أن يكون} بالياء {ميته} بتخفيف الياء ونصب الميتة، لأن الذي في "يكون" من السكني من ذكر المذكر، وإنما هو: قل لا أحد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ذلك ميتة أو دما مسفوحا. فأما قراءة "ميتة" بالرفع، فإنه وإن كان في العربية غير خطأ فإنه في القراءة في هذا الموضع غير صواب، لأن الله يقول: {أو دما مسفوحا} فلا خلاف بين الجميع في قراءه الدم بالنصب، وكذلك هو في مصاحف المسلمين، وهو عطف على "الميتة". فإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الميتة لو كانت مرفوعة لكان الدم وقوله "أو فسقا" مرفوعين، ولكنها منصوبة فيعطف بهما عليها بالنصب.