16691 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال : قال الحسن: الحصير: فراش ومهاد.
وذهب الحسن بقوله هذا إلى أن الحصير في هذا الموضع عني به الحصير الذي يبسط ويفترش، وذلك أن العرب تسمي البساط الصغير حصيرا، فوجه الحسن معنى الكلام إلى أن الله تعالى جعل جهنم للكافرين به بساطا ومهادا، كما قال: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} [الأعراف: 41] وهو وجه حسن وتأويل صحيح. وأما الآخرون، فوجهوه إلى أنه فعيل. من الحصر الذي هو الحبس. وقد بينت ذلك بشواهده في سورة البقرة، وقد تسمي العرب الملك حصيرا
بمعنى أنه محصور: أي محجوب عن الناس، كما قال لبيد:
ومقامة غلب الرقاب كأنهم جن لدى باب الحصير قيام
يعني بالحصير: الملك، ويقال للبخيل: حصور وحصر: لمنعه ما لديه من المال عن أهل الحاجة، وحبسه إياه عن النفقة، كما قال الأخطل:
وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار
ويروى: بسار. ومنه الحصر في المنطق لامتناع ذلك عليه، واحتباسه إذا أراده.
ومنه أيضا الحصور عن النساء لتعذر ذلك عليه، وامتناعه من الجماع، وكذلك الحصر في الغائط: احتباسه عن الخروج، وأصل ذلك كله واحد وإن اختلفت ألفاظه. فأما الحصيران: فالجنبان، كما قال الطرماح:
قليلا تتلى حاجة ثم عوليت على كل مفروش الحصيرين بادن
يعني بالحصيرين: الجنبين.
والصواب من القول في ذلك عندي أي يقال: معنى ذلك: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} فراشا ومهادا لا يزايله؛ من الحصير الذي بمعنى البساط، لأن ذلك إذا كان كذلك كان جامعا معنى الحبس والامتهاد، مع أن الحصير بمعنى البساط في كلام العرب أشهر منه بمعنى الحبس، وأنها إذا أرادت أن تصف شيئا بمعنى حبس شيء، فإنما تقول: هو له حاصر أو محصر؛ فأما الحصير فغير موجود في كلامهم، إلا إذا وصفته بأنه مفعول به، فيكون في لفظ فعيل، ومعناه مفعول به؛ ألا ترى بيت لبيد: لدى باب الحصير؟ فقال: لدى باب الحصير، لأنه أراد: لدى باب المحصور، فصرف مفعولا إلى فعيل. فأما فعيل في الحصر بمعنى وصفه بأنه الحاصر. فذلك ما لا نجده في كلام العرب، فلذلك قلت: قول الحسن أولى بالصواب في ذلك.
وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن ذلك جائز، ولا أعلم لما قال وجها يصح إلا بعيدا وهو أن يقال: جاء حصير بمعنى حاصر، كما قيل: عليم بمعنى عالم، وشهيد بمعنى شاهد، ولم يسمع ذلك مستعملا في الحاصر كما سمعنا في عالم وشاهد.