تفسير الطبريالجزء 15 › سورة الإسراء › القول في تأويل قوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم}

ابحث في الصفحة

16840 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد {ولا تقف} ولا ترم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وهذان التأويلان متقاربا المعنى، لأن القول بما لا يعلمه القائل يدخل فيه شهادة الزور، ورمى الناس بالباطل، وادعاء سماع ما لم يسمعه، ورؤية ما لم يره.

وأصل القفو: العضه والبهت.

ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا"

وكان بعض البصريين ينشد في ذلك بيتا:

ومثل الدمى شم العرانين ساكن بهن الحياء لايشعن التقافيا

يعني بالتقافي: التقاذف.

ويزعم أن معنى قوله {لا تقف} لا تتبع ما لا تعلم، ولا يعنيك.

وكان بعض أهل العربية من أهل الكوفة، يزعم أن أصله القيافة، وهي اتباع الأثر؛ وإذ كان كما ذكروا وجب أن تكون القراءة: "ولا تقف" بضم القاف وسكون الفاء، مثل: ولا تقل. قال: والعرب تقول: قفوت أثره، وقفت أثره، فتقدم أحيانا الواو على الفاء وتؤخرها أحيانا بعدها، كما قيل: قاع الجمل الناقة: إذا ركبها وقعا وعاث وعثى؛ وأنشد سماعا من العرب.

ولو أني رميتك من قريب لعاقك من دعاء الذئب عاق

يعني عائق، ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: لا تقل للناس وفيهم ما لا علم لك به، فترميهم بالباطل، وتشهد عليهم بغير الحق، فذلك هو القفو. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب، لأن ذلك هو الغالب من استعمال العرب القفو فيه.

وأما قوله {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} فإن معناه: إن الله سائل هذه الأعضاء عما قال صاحبها، من أنه سمع أو أبصر أو علم، تشهد عليه جوارحه عند ذلك بالحق، وقال "أولئك "، ولم يقل "تلك "، كما قال الشاعر:

ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام

وإنما قيل: أولئك، لأن أولئك وهؤلاء للجمع القليل الذي يقع للتذكير والتأنيث، وهذه وتلك للجمع الكثير؛ فالتذكير للقليل من باب إن كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث. لك التذكير للجمع الأول، والتأنيث للجمع الثاني، وهو الجمع الكثير، لأن العرب تجعل الجمع على مثال الأسماء.