تقدم في باب الإمامة أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤم بالمقيمين والمسافرين وهو مسافر يقصر ثم يقول: "يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا قوم سفر". وكان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي وراء الإمام أربعاً، فإذا صلى لنفسه صلى ركعتين ويقول: من أدرك ركعتين من صلاة المقيمين فليصل بصلاتهم. وصلى عمر رضي الله عنه للناس بمكة فلما انصرف قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر. وجاء عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يعود عبد الله بن صفوان فصلى ركعتين ثم انصرف، فقام القوم فأتموا، ولما سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم للحج خرج من المدينة فدخل مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى وكان يقصر مدة إقامته بمكة ثم من خروجه منها إلى أن رجع إلى المدينة. قال شيخنا رضي الله عنه: ولم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم زاد على ذلك فنقف على حد ما ورد في الإقامة على أربعة أتم. وكذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: من أجمع الإقامة بموضع لا يتم إلا إن نوى الإقامة أربعاً لحديث يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً. قالوا: فمن زاد كان بالمقيم أشبه. ولما اتخذ عثمان رضي الله عنه الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها صلى بمنى أربعاً ثم أخذ به الأئمة بعد. وفي رواية: إنما صلى بمنى أربعاً لأنه أجمع الإقامة بعد الحج. وفي رواية: إنما الصلاة بمنى من أجل الأعراب لأنهم كثروا ذلك العام، فصلى بالناس أربعاً ليعلمهم أن الصلاة أربع. وقيل لابن مسعود رضي الله عنه: تعيب على عثمان ثم تصلي أربعاً مثله، قال: الخلاف شر لكون عثمان كان لا يقصر وهو أمير الحج، ولما خرج صلى الله عليه وسلم إلى تبوك غيرنا وللإقامة بها قصر عشرين يوماً مدة توقع قضاء حاجته، وكذلك في فتح مكة أقام ثماني عشرة ليلة يقصر لأنه كان يتوقع الفتح كل يوم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فنحن إذا سافرنا فأقمنا ثماني عشرة ليلة قصرنا، وإن زدنا ائتممنا. وفي رواية: تسع عشرة، وفي أخرى: سبع عشرة، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وكان لم يرد الإقامة وإنما حبسه البرد والثلج. وكانت الصحابة [1/ 167] رضي الله عنهم إذا سافروا بتجارة إلى مقصد معلوم ليبيعوها يمكثون يقصرون أربعة أشهر ومنهم من كان يقصر ستة أشهر. وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بالإتمام من اجتاز ببلد فتزوج فيه أو كان له فيه زوجة ويقول: من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم. وكان ابن عمر رضي الله عنه يقول: إذا أجمع الرجل أن يقيم ببلد اثنتي عشرة ليلة فليتم الصلاة. وكان هو إذا أجمع الإقامة بموضع أتم الصلاة، ولو لم ينو إقامة أربعة. وكان علي رضي الله عنه يقصر حتى يدخل حيطان الكوفة فقالوا له مرة هذه حيطان الكوفة أتتم الصلاة؟. قال: لا، حتى تدخلوها وتدخلوا على أهاليكم ومواشيكم. وتقدم في باب صلاة المعذور أن أنساً كان يصلي في السفينة جالساً إذا كانت سائرة ويصلي قائماً إذا كانت محبوسة، وكان السلف رضي الله عنهم لا يرون القصر للعاصي بسفره ويقولون: قال الله تعالى في أكل الميتة: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} (البقرة: 173) والله أعلم.