نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قباء على كلثوم بن الهرم(261) شيخ بني عمرو بن عوف وهم بطن من الأوس. وقباء قرية على ميلين من جنوب المدينة وهي خصبة بها حدائق من أعناب ونخيل وتين ورمان وأقام بها رسول اللّه يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجد قباء وهو الذي أسس على التقوى من أول يوم ونزل أبو بكر رضي اللّه عنه على حبيب بن أساف بالسنح(262) ثم قدم عليّ رضي اللّه عنه ومعه الفواطم وأم أيمن وولدها أيمن وجماعة من ضعفاء المؤمنين ولما وصل نزل على كلثوم بن الهرم اقتداء بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وكان عليّ رضي اللّه عنه في طريقه يسير الليل ويكمن النهار ثم ركب النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الجمعة يريد المدينة وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي ببطن الوادي بمن معه من المسلمين وكانوا مائة وهي أول جمعة صلاها بالمدينة وأول خطبة خطبها في الإسلام ثم ركب راحلته يريد المدينة وأرخى زمامها فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا قالوا هلم يا رسول اللّه إلى العدد والعدة والمنعة ويعترضون ناقته فيقول خلوا سبيلها فإنها مأمورة حتى بركت عند موضع مسجده اليوم وكان مربدا للتمر(263) لغلامين يتيمين وهما سهل وسُهيل ابنا عمرو من بني النجار فلما بركت لم ينزل عنها ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به فالتفتت خلفها ثم رجعت إلى مبركها الأول فبركت فيه ووضعت جرانها فنزل عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واحتمل أبو أيوب الأنصاري(264) رحل ناقته إلى بيته ودعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك يا رسول اللّه فأبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقبل منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا وطفق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينقل معهم اللبن (الطوب النئ) في بنيانه ويقول وهو ينقل اللبن:
هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر(265)
ويقول:
إن الأجر أجر الآخرة * فارحم الأنصار والمهاجره
ثم وادع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اليهود وكتب بينه وبينهم كتاب صلح وموادعة وسنأتي على نص الكتاب فيما بعد.
وقبل أن يتم رسول اللّه بناء مسجده مات سعد بن زرارة بالذبحة والشهقة وكان نقيبا لبني النجار فطلبوا إقامة نقيب مكانه فقال: أنا نقيبكم ولم يخص منهم أحدا دون آخر فكانت من مناقبهم.
فرح أهل المدينة بمقدم النبي صلى اللّه عليه وسلم فرحا شديدا وصعدت ذوات الخدور على الأسطحة. وعن عائشة رضي اللّه عنها، لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة جلس النساء والصبيان والولائد يقلن جهرا:
طلع البدر علينا * من ثنيات(266) الوداع
وجب الشكر علينا * ما دعا للّه داع
أيها المبعوث فينا * جئت بالأمر المطاع
قال ابن عباس: ولد النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين وابتدأ التاريخ في الإسلام من هجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة وأول من أرخ بالهجرة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سنة سبع عشر من الهجرة إلا أن التاريخ الهجري يبدأ قبل الهجرة بشهرين وذلك أنهم جعلوا مبدأ التاريخ المحرم من تلك السنة والنبي صلى اللّه عليه وسلم بعد بمكة ثم كانت الهجرة بعد ذلك في ربيع الأول.
------
(261)كلثوم بن الهرم بن امرئ القيس ويعرف بصاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكان شيخا كبيرا أسلم قبل وصول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة وأقام عنده أربعة أيام وتوفي كلثوم قبل بدر بيسير ولم يدرك شيئا من مشاهده.
(262)السنح إحدى محال المدينة.
(263)المربد: موضع يخفف فيه التمر.
(264)اسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد وكان مع بن أبي طالب رضي اللّه عنه ومن خاصته وغزا أيام معاوية أرض الروم مع يزيد بن معاوية سنة إحدى وخمسين فتوفي عند مدينة القسطنطينية فدفن هناك.
(265)الحمال بكسر الحاء المهملة وفتح الميم مخففة ولأبي ذر الحمال بفتح الحاء المهملة أي هذا المحمول من اللبن أبر عند اللّه وأطهر من محمول (خيبر) الذي يحمل منها التمر والزبيب ونحوهما الذي يغتبط به حاملوه. تمثل بشعر رجل من المسلمين هو عبد اللّه بن رواحة قال ابن شهاب الزهري: ولم يبلغا في الأحاديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تمثل يبيت شعر تام غير هذا البيت والممتنع على المصطفى إنشاء الشعر لا إنشاده. أما البيت الثاني فليس موزونا.
(266)ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة، وهي موضع وداع المسافرين من المدينة إلى مكة.
------