محمد، صلى الله عليه وسلم، لمحمد رضامرحلة ما بعد الوحي › النبي الأمي

ابحث في الصفحة

أول ما نزل عليه صلى اللّه عليه وسلم من القرآن {اقرأ} كما صح ذلك عن عائشة وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير. قال النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف. وقوله "ما أنا بقارئ" أي أني أمي فلا أقرأ الكتب. قال الزجاج: الأمي الذي على خلقة الأمة لم يتعلم الكتاب فهو على جبلته. وفي التنزيل العزيز: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمانِيَّ} سورة البقرة. فمعنى الأميين في هذه الآية الذين لا معرفة لهم بقراءة ولا كتابة.

قال أبو إسحاق: معنى الأمي المنسوب إلى ما عليه جبلة أمه أي لا يكتب وهو في أنه لا يكتب أمي لأن الكتابة مكتسبة فكأنه نسب إلى ما يولد عليه. أي على ما ولدته أمه عليه. وكانت الكتابة في العرب من أهل الطائف تعلموها من رجل من أهل الحيرة وأخذها أهل الحيرة عن أهل الأنبار. وفي الحديث: "إنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب" أراد على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى. وفي الحديث: "بعثت إلى أمة أمية" قيل للعرب الأميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة. هذا معنى كلمة "أمي" في اللغة العربية وهكذا كان يفهمها العرب.

قال تعالى في سورة الأعراف: {الَّذِينَ يَتّبِعُونَ الرَّسُولَ النّبيَّ الاُمِّيَّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاة وَالإنْجِيل} وقال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} الآية. قال الفخر الرازي في تفسيره: "فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون والنبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك، فلهذا السبب وصفه يكونه أميا. قال أهل التحقيق: وكونه أميا بهذا التفسير كان من جملة معجزاته. ويبانه من وجوه:

(الأول) أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب اللّه تعالى منظوماُ مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته. والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها بالقليل والكثير. ثم إنه عليه الصلاة والسلام -مع أنه ما كان كتب وما كان يقرأ- يتلو كتاب اللّه من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير فكان ذلك من المعجزات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {سَنقْرِئكَ فَلاَ تَنْسَى}.

(الثاني) أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهما في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة، فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة كان ذلك من المعجزات، وهذا هو المراد من قوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَميِنكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْمبْطِلُونَ}.

(الثالث) أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعي. فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم. ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من الحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلا وفهما فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جاريا مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجار مجرى المعجزات" اهـ.

وقد طالعت ما كتبه الذين تعرضوا لهذا البحث من الإفرنج الذين ترجموا حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم فوجدت تخبطا مدهشا فقد بحث الأستاذ نولدكه الألماني في كتابه "تاريخ القرآن(136)" هل كان النبي يعرف القراءة والكتابة؟ فلم يجزم بشيء بيد أنه زعم أن لفظة "أمي" المذكورة في القرآن لا تدل على أنه يجهل القراءة والكتابة بل تفيد أنه لا يعرف الأسفار القديمة!!.

والثابت من التاريخ والقرآن والحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ما كان يعرف القراءة والكتابة بالرغم من أن بعض المستشرقين يحاولون أن يثبتوا عكس ذلك من غير برهان. إنما هم يستنتجون بعقولهم. ليتعجبوا ما شاؤوا من أميته ولكن يجب عليهم أن يتعرفوا بأنه ما كان يعلم القراءة والكتابة. وجاء في "قاموس الإسلام(137): "ومع ذلك فمن المحقق أنه (النبي صلى اللّه عليه وسلم) كان يتظاهر بأنه يجهل القراءة والكتابة كي يجعل إنشاء القرآن معجزا".

فهل بعد ذلك تعسف! لو كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ أو يكتب لتحدث بذلك أصحابه أو أعداؤه، ولما أمكن أن يكون أمرا مكتوما طول حيانه خصوصا أن جميع صفات النبي وأعماله قد روتها الصحابة بالتفصيل حتى خصوصياته في منزله مع نسائه. على أن المنصفين من مؤرخي الإفرنج وفلاسفتهم قد اعترفوا بأميته فمن ذلك ما كتبه المسيو سيديو في كتابه "تاريخ العرب" الجزء الأول ص 59 من الطبعة الثانية: "ولما كان (رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم) غير متعلم مثل أبناء وطنه كان لا يعرف القراءة". وقال الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل في كتاب الأبطال الذي عني بترجمته الأستاذ محمد السباعي رحمه اللّه: "ثم لا ننسى شيئا آخر وهو أنه لم يتلق دروسا على أستاذ أبدا وكانت صناعة الخط حديثة العهد إذ ذاك في بلاد العرب. ويظهر لي أن الحقيقة هي أن محمدا لم يكن يعرف الخط والقراءة وكل ما تعلم هي عيشة الصحراء وأحوالها".

وجاء في كتاب الإسلام تأليف الكونت هنري دي كاسترى ترجمة المرحوم أحمد فتحي زغلول باشا: "إن محمدا ما كان ليقرأ ولا ليكتب بل كان -كما وصف نفسه مرارا- نبيا أميا، وهو وصف لم يعارضه فيه أحد من معاصريه. ولا شك أنه يستحيل على رجل في الشرق أن يتلقى العلم بحيث لا يعلمه الناس لأن حياة الشرقيين كلها ظاهرة للعيان، على أن القراءة والكتابة كانت معدومة في ذلك الحين من تلك الأقطار الخ".

ولما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أميا احتاج إلى كتاب يكتبون له وقد ذكرهم الحافظ أبو القاسم في تاريخ دمشق أنهم ثلاثة وعشرون، وروى ذلك كله بأسانيده وهم:

أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وعثمان وعلي والزبير وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان ومحمد بن سلمة والأرقم بن أبي الأرقم وأبان بن سعيد بن العاص وأخوه خالد بن سعيد وثابت بن قيس وحنظلة بن الربيع وخالد بن الوليد وعبد اللّه بن الأرقم وعبد اللّه بن زيد بن عبد ربه والعلاء بن عتبة والمغيرة بن شعبة والسجل وزاد غيره شرحبيل بن حسنة وقالوا وكان أكثرهم كتابة زيد بن ثابت ومعاوية رضي اللّه عنهم.

وسيأتي في غزوة أحد أن العباس كان بمكة وكتب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم كتابا يخبره بجمع قريش وخروجهم. فلما جاء كتاب العباس وكان أرسله مع رجل من بني غفار، فك رسول اللّه ختمه ودفعه لأبي بن كعب فقرأه عليه فاستكتم أبيا(138).

فلو كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعرف القراءة لما دفع كتابا يحوي أخبارا سرية إلى أحد لقراءته.

وذكر ابن ماكولا أن تميم بن جراشة وفد على النبي صلى اللّه عليه وسلم وروي عنه أنه قال: قدمت على النبي صلى اللّه عليه وسلم في وفد ثقيف فأسلمناه وسألناه أن يكتب لنا كتابا فيه شروط فقال اكتبوا ما بدا لكم ثم ائتوني به فسألناه في كتابنا أن يحل لنا الربا والزنا فأبى عليَّ أن يكتب لنا فسألنا خالد بن سعيد بن العاص فقال له عليٌّ: تدري ما تكتب؟ قال: أكتب ما قالوا ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أولى بأمره. فذهبنا بالكتاب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال للقارئ: اقرأ. فلما انتهى إلى الربا قال: ضع يدي عليها فوضع يده فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} الآية. ثم محاها وألقيت علينا السكينة فما راجعناه فلما بلغ "الزنا" وضع يده وقال: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنهُ كَانَ فَاحِشَة} الآية. ثم محاها وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا(139).

وقد زعم بعضهم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يتلو الكتب الدينية القديمة ومنها استقى معلوماته، وهذا الزعم لا أساس له، إذ لم يكن في جزيرة العرب كتب دينية باللغة العربية في ذلك الوقت. ومن المؤكد أنه ما كان يعرف أي لغة من اللغات الأجنبية.

وقد قيل أيضا إنه صلى اللّه عليه وسلم اقتبس بعض تعاليم المسيحية أثناء سفره إلى الشام عند ما كان يتاجر، وبديهي أن التاجر العربي الذي لا يعرف اللغة الآرامية واليونانية كان يتعذر عليه الحصول على معلومات دينية من مسيحيي الشام. أما الذين كانوا يتكلمون العربية من هؤلاء المسيحيين فقد كانوا جهالا أميين.

وأما ما قيل من أن ورقة بن نوفل ترجم جزءا من الكتب المسيحية إلى العربية فغير محتمل بالمرة(140) ومع ذلك يزعم درمنغم في كتابه "حياة محمد" أن ورقة ترجم الأناجيل إلى العربية وهذا زعم لا أساس له إنما هو مجرد ظن.

فالمستشرقون الذين زعموا أن رسول اللّه كان يعرف القراءة والكتابة غضوا الطرف عن الآيات التي صرحت بأنه كان أميِّا. ذلك لأنهم وجدوا أن القرآن معجز ويحتوي على قصص الماضيين وعلى شريعة عظيمة فاقت كل الشرائع وفيه عظات بالغة وحكم وأمثال رائعة وأن أبناء هذا العصر مع تقدم العلوم والفنون وانتشار الجامعات لم يستطيعوا أن يضعوا شريعة للناس كالشريعة الإسلامية ولا آدابا وأخلاقا كالآداب والأخلاق الواردة في القرآن، فهالهم الأمر وتحيروا وقالوا في أنفسهم من أين جاء لمحمد صلى اللّه عليه وسلم هذا العلم كله، وكيف كان أميِّا. فإن قيل لهم هذا دليل على نبوته وأنه صلى اللّه عليه وسلم كان يوحى إليه، لم يسلموا لأنهم لو سلموا بنزول الوحي عليه لزمهم التصديق برسالته تخلصا من هذا المأزق، ونفوا عنه الأمية وقالوا إنه كان يقرأ ويكتب ويتلو الكتب القديمة ولما وجدوا أن التاريخ لا يساعدهم على هذا الزعم لأن معاصريه صلى اللّه عليه وسلم أقروا أنه كان أميِّا وأن ذلك يطابق ما جاء في القرآن قال قائلهم إنه كان يخفي أمره ويكتم عن الناس (وعن الناس جميعا حتى عن زوجاته وأولاده وجميع أصحابه) علمه بالقراءة والكتابة. وهذا قول مضحك لأن الذي يقرأ ويكتب لا بد أن يراه أحد بل يراه كثير من الناس فإن هذا أمر لا يمكن إخفاؤه كالأكل والشرب. هذه هي الحقيقة وهذا ما نعتقده وما يجب أن يعتقده كل باحث في السيرة المحمدية والشريعة الإسلامية.

------

(136) Geschte des Qorans P. 7 Sqq

(137) Dictionary of Isiam by Thomas Patrick Hughes . 2 nd . edition, P . 392

(138)راجع السيرة النبوية لدحلان. الجزء الأول ص 258 طبعة المطبعة الوهبية سنة 1285 هـ.

(139)راجع أسد الغابة. الجزء الأول "تميم بن جراشة".

(140)راجع الجزء الثاني من كتاب تاريخ القرون الوسطى لجامعه كامبردج ص(305-306)

[هشام]The Cambridge Medeval History Vol . 11 (1931) pp . (305 - 306)

------