كشف الغمة عن جميع الأمة، للشعرانيالجزء الأول › كتاب الصلاة › باب صلاة الجمعة › فصل في الأذان والخطبة وغيرهما

ابحث في الصفحة

كان رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "أتى آدم عليه السلام في أربعين ألفاً من ولده وولد ولده وقال: إن ربي عهد إليَّ فقال: يا آدم أقلل كلامك ترجع إلى جواري؟. قال ابن عمر رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رقى المنبر سلم ثم جلس خفيفاً مستقبل الناس، واستقبلوه كذلك ثم يؤذن المؤذن. وكان الأذان الأول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، إذا جلس الخطيب على المنبر فلما كثر الناس على عهد عثمان [1/ 176] رضي الله عنه زاد النداء الثاني على الزوراء، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مكان التجميع غير مؤذن واحد، يؤذن إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ويقيم إذا نزل، وكان الأذان على باب المسجد، وكانت خطبته صلى الله عليه وسلم في الجمعة وغيرها مشتملة على حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم والموعظة والقراءة. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "كل خطبة ليس فيها حمد ولا تشهد فهي كاليد الجذماء". قال شيخنا رضي الله عنه: ويستدل لوجوب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة بقوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك} (الشرح: 4) وبقوله صلى الله عليه وسلم: "ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله ولم يصلوا على نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار". وكان صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ويجلس بين الخطبتين ويقرأ آيات ويذكر الناس. ورأى كعب بن عجرة رضي الله عنه عبد الرحمن بن الحكم رضي الله عنه يخطب قائماً فأنكر عليه، وقال: انظروا إلى هذا الخبيث قاعداً، والله تعالى يقول: {وتركوك قائماً} (الجمعة: 11) وكان الشعبي رضي الله عنه يقول: أول من أحدث القعود على المنبر معاوية. قال شيخنا رضي الله عنه: ويحتمل أنه إنما قعد لضعف أو كبر، ثم لا يخفى أن وجوب القيام في الخطبة مبني على أنها موضع الركعتين كما سيأتي قريباً عن عمر وأكابر الصحابة رضي الله عنهم، على أنها صلاة تامة في نفسها لقوله صلى الله عليه وسلم لمصعب بن عمير لما بعثه إلى المدينة: "انظر فإذا كان اليوم الذي يتجهز فيه اليهود لبستها فاجمع أصحابك بعد الزوال، وقم فيهم ثم صل بهم ركعتين". وكان صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هن كلمات يسيرات، وكان تشهده صلى الله عليه وسلم أن يقول: الحمد لله الذي نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله تعالى ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى ولا يضر الله شيئاً. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولما خطب ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنهما قال: ومن يعصهما فقد غوى، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ومن يعص الله ورسوله". وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة ق على المنبر كثيراً حتى حفظها منه جماعة من كثرة تكراره لها كل جمعة. وكان عمر رضي الله عنه يقرأ في خطبته يوم الجمعة: {إذا الشمس كورت} إلى قوله: {علمت نفس ما أحضرت} (الشمس: 14) ثم يقطع. وكان صلى الله عليه وسلم يقوم من جلوسه بين الخطبتين كما يفعل الناس اليوم فيخطب الخطبة الثانية قائماً كالأولى. وكان صلى الله عليه وسلم إذا جلس بين الخطبتين لا يتكلم بشيء في جلوسه. وكان جابر رضي الله عنه يقول: من قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب جالساً فقد كذب، لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ألفي صلاة. وكان صلى الله عليه وسلم يعتمد في خطبته على قوس، وتارة على عصا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى شيئاً من ذلك، ولكن كان يتوكأ في الحرب على السيف وفي الحضر على العصا يعني لأن الغالب في السفر السيف وفي الحضر العصا، وكان إذا خطب يحمد الله تعالى ويثني عليه بكلمات خفيفات طيبات مباركات ثم [1/ 177] يقول: أيها الناس إنكم لن تفعلوا. وفي رواية: لن تطيقوا كل ما أمرتم به ولكن سددوا وقاربوا وأبشروا. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "أقصروا الخطبة فإن من البيان لسحراً". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته من علامة فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة". وكان عمر رضي الله عنه وغيره يقولون: جعلت الخطبة موضع الركعتين فمن فاته سماع الخطبة صلى أربعاً. وفي رواية: فمن فاتته الخطبة صلى أربعاً. قال شيخنا رضي الله عنه: ومن هنا اشترط بعض العلماء الطهارة للخطبة وإلا فأعلى أحوالها أن تكون قرآناً، والقرآن تجوز قراءته مع الحدث الأصغر، والله أعلم.

وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كان منبر آدم عليه السلام الذي خطب عليه في الجنة سبع درج، وأول من اتخذ المنبر بعد آدم إبراهيم عليه السلام. قال: وكان منبره صلى الله عليه وسلم ثلاث درج من طرفاء الغابة عمله له نجار من المدينة اسمه باقوم الرومي مولى سعيد بن العاص رضي الله عنه. وكان أبو بكر رضي الله عنه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم يقف على الدرجة الثانية، فلما جاء عمر رضي الله عنه وقف على التي تليها، فلما جاء عثمان رضي الله عنه زاد درج المنبر وصار يقف على أول الزيادة وخلف ظهره ثلاث درج فوقه أدباً منهم رضي الله عنهم أجمعين، وجاء الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى أبي بكر رضي الله عنه وهو جالس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انزل عن مجلس أبي، فقال: صدقت، إنه مجلس أبيك وأجلسه في حجره وبكى. فقال علي رضي الله عنه: والله يا خليفة رسول الله ما هذا عن أمري، فقال: صدقت والله ما اتهمتك. وكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم مساكم. وكان صلى الله عليه وسلم إذا دعا وهو على المنبر رفع السبابة وحدها دون اليد. وقال سهل بن سعد رضي الله عنه: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهراً يديه قط يدعو على منبر ولا غيره ما كان دعاؤه إلا أن يضع يده حذو منكبيه ويشير بإصبعه إشارة ويعقد الوسطى بالإبهام. ولما خطب بشر بن مروان فرفع يديه عند الدعاء قال له عمارة رضي الله عنه: قبح الله هاتين اليدين وأنكر عليه. وكان عمر بن عبد العزيز وعطاء رضي الله عنهما يكرهان التعرض لأحد في الخطبة بدعاء له أو عليه، وخطب صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء، وكذلك علي وعبد الله بن عمر وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. وكان جابر رضي الله عنه يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بمنى على بغلته وعليه بردان أحمران في وسطه واحد وعلى كتفه واحد.