وقالت رضي الله عنها: كنت تحت عبيد الله بن جحش فهاجر بي إلى الحبشة الهجرة الثانية فارتد عن الإسلام وتنصر ومات هناك، فبقيت على ديني إلى أن أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه يخطبني من النجاشي مع عمرو بن أمية الضمري وكنت قد رأيت تلك الليلة يقال لي: يا أم المؤمنين ففرحت بذلك المنام فأولت تلك الرؤيا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني فما هو إلا أن انقضت عدتي وإذا رسول النجاشي على بابي يستأذن ففتحت فإذا هي جارية النجاشي فقالت: يقول لك الملك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليَّ يخطبك مني فأعطيتها سوارين من فضة وخلخالين وخواتيم كانت في يدي ورجلي سروراً بما بشرتني، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا وأرسل يقول لي: وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن أبي العاص فوكلته فزوجني. وفي رواية عن أم حبيبة رضي الله عنها: قالت: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتابه إلى النجاشي رضي الله عنه أن يزوجني له جاءني النجاشي حتى وقف على باب داري واستأذنت له فأخبرني بذلك فقلت له: بشرك الله بخير، فقالت لي أبرهة جارية النجاشي التي كانت تقوم على طيبه ودهنه: يقول لك الملك وكلي من يزوجك فوكلت، فقام النجاشي فخطب فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد فقد أجبت إليَّ ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصدقتها أربعمائة دينار ثم سكب الدنانير بين يدي القوم ثم خطب الوكيل، وقال: قد أجبت إلى ما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقبض الدنانير، فلما وصل إلى المال أرسلت إلى أبرهة التي كانت بشرتني بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لها: إني أعطيتك يومئذ ما أعطيتك ولا مال لي فهذه خمسون مثقالاً فخذيها فأبت وأخرجت لي حقاً فيه كل ما كنت أعطيتها وردته عليَّ، وقالت: عزم عليَّ الملك أن لا آخذ منك شيئاً، وقد تبعت دين محمد وأسلمت لله رب العالمين. قالت أم حبيبة رضي الله عنها: ولما قبض خالد المال أراد القوم أن يقوموا، فقال النجاشي: اجلسوا، فإن سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا ثم أمر النجاشي رضي الله عنه نساؤه أن يبعثن إليَّ بكل ما عندهم من أنواع العطر، فأرسلن إليَّ الورس والعود والعنبر والزباد مع جارية النجاشي فأعطتني ذلك ثم بكت، وقالت: أقرئي رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام إذا قدمت عليه، وما زالت تتردد إليَّ بأنواع الهدايا وتقول: لا تنسي حاجتي؟. قالت أم حبيبة رضي الله عنها: ولما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته كيف كانت الخطبة فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرأته سلام الجارية، فقال: وعليها السلام ورحمة الله وبركاته. قال أنس رضي الله عنه: وكانت أم حبيبة رضي الله عنها تقول: [2/ 114] سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة يكون لها زوجان ثم تموت فتدخل الجنة هي وزوجاها لأيهما تكون للأول أو للآخر؟. فقال: "تخير أحسنهما خلقاً كان معها في الدنيا يكون زوجها في الجنة". قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: وكانت أم حبيبة رضي الله عنها كلما يدخل عليها أبو سفيان بن حرب أبوها تطوي فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم دونه، فإذا سألها عنه تقول له: أنت امرؤ نجس مشرك وذلك قبل إسلامه، وقد أسلم يوم فتح مكة رضي الله عنه. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لما قربت وفاة أم حبيبة دعتني فقالت: قد كان بيننا ما يكون من الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز عنك، فقالت: سرتيني سرك الله، ثم أرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك رضي الله عنهن أجمعين، توفيت سنة أربع وأربعين في أيام معاوية رضوان الله عليها.