كشف الغمة عن جميع الأمة، للشعرانيالجزء الثاني › كتاب الصداق › باب ما جاء في إحسان العشرة وبيان حق الزوجين › فرع فيما يتعلق بزينب بنت جحش رضي الله عنها

ابحث في الصفحة

قال أنس رضي الله عنه: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش في سنة خمس من الهجرة وكانت من المهاجرات الأول، وكان مذكور مولى زينب يقول: قالت لي [2/ 115] زينب: خطبني عدة من قريش، فأرسلت أختي حمنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستشيره فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها" قالت: ومن هو يا رسول الله؟. قال: "زيد بن حارثة". قال: فغضبت حمنة وقالت: يا رسول الله! أتزوج ابنة عمتك مولاك، ثم جاءت فأخبرتني فغضبت أشد من غضبها وأنزل الله عز وجل: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} (الأحزاب: 36) الآية، فقلت: يا رسول الله! إني أستغفر الله وأطيع الله ورسوله افعل يا رسول الله ما رأيت، فزوجني زيداً فكنت أزأر عليه فشكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاتبني رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عدت فآذيته بلساني فشكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك زوجك واتق الله" فقال: يا رسول الله! أنا أطلقها، قالت: فطلقني، فلما انقضت عدتي تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطب زينب بعد انقضاء عدتها قال لزيد بن حارثة: اذكرني لها، قال زيد: فأتيتها وهي تخمر عجينتها، فلما رأيتها عظمت في عيني فلم أستطع أن أنظر إليها لكون رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا برة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، فقالت: ما كنت لأحدث شيئاً حتى أوامر ربي عز وجل، فقامت إلى مسجد لها فأنزل الله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها} (الأحزاب: 37) فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن، فلما جلس عندها قال: ما اسمك تأليفاً لها؟. قالت: برة، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب وأولم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبز ولحم فأكل الناس أفواجاً أفواجاً حتى تركوه وجلسوا في البيت يتحدثون، فصار النبي صلى الله عليه وسلم يتهيأ للقيام كذا وكذا مرة ليقوموا فلم يقوموا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال أنس رضي الله عنه: فجئت لأدخل على العادة فألقي الحجاب بيني وبينه ثم انطلق صلى الله عليه وسلم حتى دخل على حجرة عائشة رضي الله عنها فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، فقالت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كيف وجدت أهلك بارك الله لك فيها، فدخل حجر نسائه كلهن فسلم عليهن وقلن له كما قالت عائشة رضي الله عنها، فلما رجع إلى زينب أرسلت أم سليم مع أنس بن مالك حيساً فجعلته في تور، وقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل بعثت إليك بهذا أمي وهي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله فلما دخل به أنس وقال له ما قالته أمه قال له صلى الله عليه وسلم: "ضعه واذهب فادع الناس" فأكل منه زهاء ثلاثمائة ثم انصرفوا وبقي منه أكثر مما أكلوه، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: رحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف وهو تزويج الله تعالى لها، وقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسرعكن بي لحوقاً أطولكن يداً" قالت عائشة رضي الله عنها: فكنا إذا اجتمعنا نتطاول ونمد أيدينا في الحائط نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا يداً، فعرفت أن [2/ 116] النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناعاً تعمل بيدها تدبغ وتخرز وتتصدق بذلك في سبيل الله عز وجل، وكانت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها تقول: قسم النبي صلى الله عليه وسلم بين أزواجه مما أفاء الله عليه، فأعطى جميع أزواجه إلا زينب بنت جحش، فبعثت زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له: قولي له يا رسول الله قد عم عطاؤك جميع نساءك وما منهن امرأة إلا وهي ذو قرابة منك وترى حولك أخاها وأباها أو ذا قرابتها عندك يذكرك بها فاذكرني يا رسول الله من أجل الذي زوجني لك؟. فأحرق رسول الله صلى الله عليه وسلم قولها وبلغ منه كل مبلغ فانتهرها عمر، فقالت: دعني عنك يا عمر، فوالله لو كانت بنتك ما رضيت بهذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعرض عنها يا عمر فإنها أواهة" ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عطاءها وذهب به إليها بنفسه وهو يترضاها ويبكي رضي الله عنها، وقالت برة بنت نافع: لما خرج عطاء عمر أرسل إلى زينب بثمانين درهماً فرفعت يديها وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت في عامها ذلك سنة عشرين وهي بنت ثلاث وخمسين سنة رضي الله عنها.

وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: ما كان يساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في المنزلة عنده والمحبة إلا زينب، ولم أر امرأة في الدين قط خيراً من زينب ولا أتقى ولا أصدق ولا أوصل للرحم ولا أعظم صدقة ولا أشد ابتذالاً في خدمة المساكين والأعمال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل منها ما عدا سورة من حدة ترجع منها عن قريب، رضي الله تعالى عنها.