وأما قوله: {منه آيات محكمات} فإنه يعني من الكتاب آيات، يعني بالآيات آيات القرآن.
وأما المحكمات: فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعبر، وما أشبه ذلك. ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات المحكمات بأنهن هن أم الكتاب، يعني بذلك أنهن أصل الكتاب الذي فيه عناد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم. وإنما سماهن أم الكتاب، لأنهن معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامع معظم الشيء أما له، فتسمي راية القوم التي تجمعه في العساكر أمهم، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها. وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته. ووحد أم الكتاب، ولم يجمع فيقول: هن أمهات الكتاب، وقد قال هن لأنه أراد جميع الآيات المحكمات أم الكتاب، لا أن كل آية منهن أم الكتاب، ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهن أم الكتاب، لكان لا شك قد قيل: هن أمهات الكتاب. ونطير قول الله عز وجل: {هن أم الكتاب} على التأويل الذي قلنا في توحيد الأم وهي خبر لـ "هن" قوله تعالى ذكره: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين، لأن معناه: وجعلنا جميعهما آية، إذ كان المعنى واحدا فيما حملا فيه للخلق عبرة. ولو كان مراده الخبر عن كل واحد منهما على انفراده، بأنه جعل للخلق عبرة، لقيل: وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين؛ لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة. وذلك أن مريم ولدت من غير رجل، ونطق ابنها فتكلم في المهد صبيا، فكان في كل واحد منهما للناس آية.
وقد قال بعض نحويي البصرة: إنما قيل: {هن أم الكتاب} ولم يقل: "هن أمهات الكتاب" على وجه الحكاية، كما يقول الرجل: ما لي أنصار، فتقولا: أنا أنصارك، أو ما لي نظير، فتقول: نحن نظيرك. قال: وهو شبيه ودعتى من تمرتان"، وأنشد لرجل من فقعس:
تعرضت لي بمكان حل تعرض المهرة في الطول
تعرضا لم تأل عن فتلا لي
حل أي يحل به، على الحكاية، لأنه كان منصوبا قبل ذلك، كما يقول: نودي: الصلاة الصلاة، يحكي قول القائل: الصلاة الصلاة! وقال: قال بعضهم: إنما هي أن قتلا لي، ولكنه جعله "عن" لأن أن في لغته تجعل موضعها "عن" والنصب على الأمر، كأنك قلت: ضربا لزيد. وهذا قول لا معنى له، لأن كل هذه الشواهد التي استشهد بها، لا شك أنهن حكايات حالتهن بما حكى عن قول غيره وألفاظه التي نطق بهن، وأن معلوما أن الله جل ثناؤه لم يحك عن أحد قوله: أم الكتان، فيجوز أن يقال: أخرج ذلك مخرج الحكاية عمن قال ذلك كذلك.
وأما قوله {وأخر} فإنها جمع أخرى.
ثم أختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها لم يصرف "أخر"، فقال بعضهم: لم يصرف آخر من أجل أنها نعت واحدتها أخرى، كما لم تصرف جمع وكتع، لأنهن نعوت.
وقال آخرون: إنما لم تصرف الأخر لزيادة الياء التي في واحدتها، وأن جمعها مبني على واحدها في ترك الصرف، قالوا: وإنما ترك صرف أخرى، كما ترك صرف حمراء وبيضاء في النكرة والمعرفة لزيادة المدة فيها والهمزة بالواو، ثم افترق جمع حمراء وأخرى، فبنى جمع أخرى على واحدته، فقيل: فعل أخر، فترك صرفها كما ترك صرف أخرى، وبنى جمع حمراء وبيضاء على خلاف واحدته، فصرف، فقيل حمر وبيض. فلاختلاف حالتيهما في الجمع اختلف إعرابهما عندهم في الصرف، ولاتفاق حالتيهما في الواحدة اتفقت حالتاهما فيها.
وأما قوله: {متشابهات} فإن معناه: متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جل ثناؤه: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] يعني في المنظر: مختلفا في المطعم، وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال: {إن البقر تشابه علينا} [البقرة: 70] يعنون بذلك: تشابه علينا في الصفة، وإن اختلفت أنواعه.
فتأويل الكلام إذا: إن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هو الذي أنزل عليك يا محمد القرآن، منه آيات محكمات بالبيان، هن أصل الكتاب الذي عليه عمادك وعماد أمتك في الدين، وإليه مفزعك ومفزعهم فيما افترضت عليك وعليهم من شرائع الإسلام، وآيات أخر هن متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعاني.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {منه آيات محكمات هم أم الكتاب وأخر متشابهات} وما المحكم من آي الكتاب، وما المتشابه منه؟
فقال بعضهم: المحكمات من آي القرآن: المعمول بهن، وهن الناسخات، أو المثبتات الأحكام؛ والمتشابهات من آية: المتروك العمل بهن، المنسوخات. ذكر من قال ذلك: