كشف الغمة عن جميع الأمة، للشعرانيالجزء الأول › كتاب الصلاة › باب صفة الصلاة › فصل في قراءة الفاتحة في كل ركعة وتركها خلف الإمام في الجهرية وما جاء في عدم تعيين القراءة بها في الصلاة

ابحث في الصفحة

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فلم يصل إلا وراء الإمام". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج فهي خداج، فقيل لأبي هريرة رضي الله عنه: إنا نكون وراء الإمام؟. فقال: اقرؤوا بها في أنفسكم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي. وفي رواية: فوض إليَّ عبدي. وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.

قال شيخنا رضي الله عنه: وهذا أقوى دليل على تعينها في الصلاة، لأنه تعالى سماها صلاة وجعلها جزءاً منها. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقرأن أحدكم شيئاً من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن"، فكان يأمر بقراءتها ويقول: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب إمام أو غير [1/ 118] إمام". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى صلاة مكتوبة أو تطوعاً فليقرأ فيها بأم القرآن وسورة معها". وفي رواية: وآيتين معها. وفي رواية: وشيء معها، فإن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأ، ومن كان مع الإمام فجهر فليقرأ بفاتحة الكتاب سراً في بعض سكتانه. وكان أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أفي كل صلاة قراءة؟. قال: نعم، ذاك واجب. وكان صلى الله عليه وسلم يرخص للمأموم في ترك قراءة الفاتحة في الجهرية لاشتغاله بسماع قراءة الإمام، ويقول: إذا قرأ الإمام فأنصتوا. وفي رواية: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة. وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يقرأ بها خلف الإمام ويقول: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ، وكان رضي الله عنه يقول: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه حجر. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم القراءة. وكان مكحول رضي الله عنه يقول: اقرؤوا فيما جهر به الإمام إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سراً، فإن لم يسكت الإمام فاقرأ بها قبله ومعه وبعده ولا تتركوها على كل حال، وسيأتي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: سبب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القراءة خلفه في الجهرية أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فجهر فيها بالقراءة فقرأ الناس ولم ينصتوا لقراءته، فلما سلم أقبل على الناس فقال لهم: "هل قرأ أحد منكم معي آنفاً؟". فقالوا: نعم يا رسول الله. قال: "إني أقول ما لي أنازع القرآن" فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يجهر به من الصلاة دون السرية. وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا فاتته الركعة الأولى والثانية في الجهرية مع الإمام قام فقرأ لنفسه جهراً. وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: إن في كل صلاة قراءة، فما أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلنا وما أخفى أخفينا، ولم يسر من أسمع نفسه. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لم يزد على الفاتحة شيئاً. وكان صلى الله عليه وسلم يرخص لبعض الأعراب في قراءة غير الفاتحة من القرآن، وقال للمسيء صلاته فاقرأ بما معك من القرآن. وكان صلى الله عليه وسلم إذا علم رجلاً الصلاة يقول له: إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع. وجاءه رجل فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن فعلمني ما يجزيني؟. فقال: "قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم اركع" وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "لا صلاة إلا بقراءة ولو بأم الكتاب" قال ابن عباس رضي الله عنهما: وكل ذلك إنما كان عند نزول قوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر} (المزمل: 20) فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعيينها في الصلاة أمر أبا هريرة رضي الله عنه أن يخرج فينادي: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب ومن كان مأموماً فليقرأ بها في سكتات إمامه. قال شيخنا رضي الله عنه: فقوم بلغهم النداء فقالوا بتعيينها، وقوم لم يبلغهم النداء فنقل عنهم القول بعدم تعيينها. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: صلى عمر رضي الله عنه مرة فلم يقرأ الفاتحة في الركعة الأولى، فلما أخبر بذلك سجد للسهو قال شيخنا رضي الله عنه: وفي [1/ 119] ذلك دليل على أن حكم الفاتحة عنده كحكم التشهد الأول يسجد للسهو إذا تركه فهي من كمال الصلاة لأنها شرط لصحتها، وسيأتي ذلك آخر سجود السهو. وكان أنس رضي الله عنه يقول: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن يقرأ إلا بها. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لا بد من قراءة الفاتحة خلف الإمام جهر أو لم يجهر، فإن لم يسكت الإمام بعد قراءته الفاتحة فليقرأ المأموم معه. قال شيخنا رضي الله عنه: ولم ينقل لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الفاتحة من حين أمر بها أبداً، فمن بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بغيرها في وقت من الأوقات مقتصراً عليه فليلحقه ههنا، فهذه أدلة المذهب كلها والله أعلم.