[1/ 132] كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: لا يقل أحدكم إذا انصرف من الصلاة انصرفت، فإن قوماً انصرفوا فصرف الله قلوبهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته انحرف فأقبل على المأمومين بوجهه منحرفاً إلى جهة من كان عن يمينه في الصلاة. وقال البراء بن عازب رضي الله عنه: كان يعجبني أن أصلي مما يلي يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان إذا سلم أقبل علينا بوجهه صلى الله عليه وسلم. وكانت الصحابة رضي الله عنهم إذا انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته يثورون إليه حتى يزدحموا، فيأخذون يده صلى الله عليه وسلم فيمسحون بها وجوههم وصدورهم. وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بالفصل بين الفريضة والنافلة بالتأخر عن مكان الفريضة أو التقدم، كما سيأتي في باب صلاة الجماعة إن شاء الله تعالى. وصلى رجل مرة الفريضة ثم قام فصلى النافلة، فأخذ عمر بمنكبيه فهزه ثم قال: اجلس، فإنه لم يهلك أهل الكتاب، إلا أنهم لم يكن بين صلاتهم فصل، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب". وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى وراءه نساء يمكث بالرجال يسيراً حتى ينصرف النساء لكيلا يختلطوا بهن في الخروج. وكان صلى الله عليه وسلم يمكث جالساً بعد السلام مقدار الذكر الذي يقوله ثم ينهض إن لم يكن له حاجة. وكان صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه وهو الأكثر من فعله. وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: لا يجعلن أحدكم الشيطان عليه جبراً يرى حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، وإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان ينصرف عن يساره. وكان جابر بن سمرة رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح أقبل علينا بوجهه وقال: "من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له". قال جابر رضي الله عنه: وكنا نستحب للرجل إذا طلع الفجر أن لا يطعم طعاماً ولا يتكلم فيما لا يعنيه حتى تطلع الشمس ويصلي ركعتين، وكان صلى الله عليه وسلم يحب لأصحابه أن لا ينصرفوا بعد صلاة الصبح حتى ينصرف هو. وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقبل على الناس بوجهه إذا صلى الصبح ويقول: "هل فيكم مريض نعوده؟". فإن قالوا لا يقول: "هل فيكم جنازة نتبعها؟". وكان صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس حسناء قام صلى الله عليه وسلم يقول: من صلى الصبح في جماعة ثم قعد يذكر الله عز وجل حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين أو أربع ركعات كانت له كأجر حجة تامة تامة تامة. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل" وفي رواية: من صلى الفجر ثم ذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس لم تمس جلده النار أبداً. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "الثابت في مصلاه بعد صلاة الصبح يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الآفاق". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة". وكان أبو أمامة رضي الله عنه يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الدعاء أسمع؟. قال: "جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات". وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سأل أحدكم فليكثر، فإنما يسأل رباً [1/ 133] كريماً". وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل علمت يا عائشة أن الله دلني على الاسم الذي إذا دعي به أجاب؟". فقلت: علمني إياه، فقال: "لا ينبغي لك يا عائشة". قال ابن عباس رضي الله عنهما: وكان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كنا نعرف انقضاء الصلاة إلا برفع الناس أصواتهم بالتكبير. وكان صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته قال: "أستغفر الله" ثلاث مرات، ثم يقول: "اللهم أنت السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر". وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ما من أحد منكم إلا وهو مشتمل على فتنة لأن الله تعالى يقول: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} (الأنفال: 28) فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله من مضلات الفتن.
وكان أبو عمران الجوني رضي الله عنه يقول: لما نزل العذاب بقوم يونس فزعوا إلى شيخ منهم فقال لهم: قولوا يا حي حين لا حي يا محيي الموتى لا إله إلا أنت، فقالوا فكشف عنهم العذاب، قال: فاجعلوها دبر صلاتكم. وكان عمر رضي الله عنه إذا سمع رجلاً يقول: اللهم اغفر لي خطاياي يقول له: استغفر الله من العمد فإن الخطأ قد تجوز الله تعالى عنه. وكان صلى الله عليه وسلم يقول بعد السلام من الصبح: "اللهم ارزقني علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً متقبلاً". وكان صلى الله عليه وسلم يسبح بعد الصبح عشراً ويكبر عشراً ويحمد عشراً، وتارة يسبح ثلاثاً وثلاثين ويكبر كذلك ويحمد كذلك، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وكان صلى الله عليه وسلم يقول هذه الأخيرة بعد صلاة الصبح عشراً وبعد المغرب عشراً ثم يقول: اللهم أجرنا من النار سبعاً، وكان صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح باليد تارة يعده بالنوى ويقول: "لا يغفلن أحدكم عن التسبيح والتهليل والتقديس فينسى الرحمة وليعقد أحدكم بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات". ودخل صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: "أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل، سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك". ودخل صلى الله عليه وسلم مرة على صفية وبين يديها أربعة آلاف نواة تسبح بها فقال: "ألا أعلمك بأكثر مما سبحت به؟. فقالت له: علمني يا رسول الله، قال: "قولي سبحان الله وبحمده عدد خلقه". وكان صلى الله عليه وسلم يقول عند انصرافه: "سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين". وفي هذا القدر كفاية، والله أعلم. [1/ 134]