تفسير الطبريالجزء 13 › سورة يوسف › القول في تأويل قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار}

ابحث في الصفحة

اختلف أهل العلم بكلام العرب في رافع "المثل"، فقال بعض نحويى الكوفيين الرافع للمثل قوله: {تجري من تحتها الأنهار} في المعنى، وقال: هو كما تقول حلية فلان أسمر كذا وكذا، فليس الأسمر بمرفوع بالحلية، إنما هو ابتداء ؛ أي هو أسمر هو كذا. قال: ولو دخل أن في مثل هذا كان صوابا. قال: ومثله في الكلام مثلك أنك كذا وأنك كذا. وقوله: {فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا} من وجه: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها} ومن قال: {أنا صببنا الماء} أظهر الاسم، لأنه مردود على الطعام بالخفض، ومستأنف، أي: طعامه أنا صببنا ثم فعلنا. وقال: معنى قوله: {مثل الجنة} : صفات الجنة. وقال بعض نحويي البصريين معنى ذلك: صفة الجنة، قال: ومنه قول الله تعالى {وله المثل الأعلى} معناه: ولله الصفة العليا. قال: فمعنى الكلام في قوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجرى من تحتها الأنهار} أو فيها أنهار، كأنه قال: وصف الجنة صفة تجري من تحتها الأنهار، أو صفة فيها أنهار ؛ والله أعلم. قال: ووجه آخر كأنه إذا قيل: مثل الجنة، قيل: الجنة التي وعد المتقون. قال. وكذلك قوله: {وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} كأنه قال: بالله الرحمن الرحيم، والله أعلم. قال: وقوله: {على ما فرطت في جنب الله} في ذات الله، كأنه عندنا قيل: في الله. قال: وكذلك قوله: {ليس كمثله شيء} إنما المعنى: ليس كشيء، وليس مثله شيء، لأنه لا مثل له. قال: وليس هذا كقولك للرجل: ليس كمثلك أحد، لأنه يجوز أن يكون له مثل، والله لا يجوز ذلك عليه. قال: ومثله قول لبيد:

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما

قال: وفسر لنا أنه أراد: السلام عليكما ؛ قال أوس بن حجر:

وقتلي كرام كمثل الجذوع تغشاهم سبل منهمر

قال: والمعنى عندنا: كالجذوع، لأنه لم يزد أن يجعل للجذوع مثلا ثم يشبه القتلى به. قال: ومثله قول أمية:

زحل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد

قال: فقال تحت رجل يمينه، كأنه قال: تحت رجله أو تحت وجله اليمنى ؛ قال: وقول لبيد:

أضل صواره وتضيفته نطوف أمرها بيده الشمال

كأنه قال: أمرها بالشمال وإلى الشمال ؛ وقول لبيد أيضا:

حتى إذا ألقت يدا في كافر

فكأنه قال: حتى وقعت في كافر. وقال آخر منهم: هو المكفوف عن خبره، قال: والعرب تفعل ذلك. قال: وله معنى آخر: {للذين استجابوا لربهم الحسنى} مثل الجنة موصول صفة لها على الكلام الأول.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال ذكر المثل، فقال مثل الجنة، والمراد الجنة، ثم وصفت الجنة بصفتها، وذلك أن مثلها إنما هو صفتها وليست صفتها شيئا غيرها. وإذا كان ذلك كذلك، ثم ذكر المثل، فقيل: مثل الجنة، ومثلها صفتها وصفة الجنة، فكان وصفها كوصف المثل، وكان كأن الكلام جرى بذكر الجنة، فقيل: الجنة تجري من تحتها الأنهار، كما قال الشاعر:

أرى مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال

فذكر المر، ورجع في الخبر إلى السنين.

وقوله: {أكلها دائم وظلها} يعني: ما يؤكل فيها. يقول: هو دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا يزول ولا يبيد، ولكنه ثابت إلى غير نهاية. وظلها: يقول: وظلها أيضا دائم، لأنه لا شمس فيها. {تلك عقبى الذين اتقوا} يقول: هذه الجنة التي وصف جل ثناؤه عاقبة الذين اتقوا الله، فاجتنبوا معاصيه وأدوا فرائضه.

وقوله: {وعقبى الكافرين النار} يقول: وعاقبة الكافرين بالله النار.