قال أبو جعفر: فأما المحصنات فإنهن جمع محصنة، وهي التي قد منع فرجها بزوج، يقال منه: أحصن الرجل امرأته فهو يحصنها إحصانا وحصنت هي فهي تحصن حصانة: إذا عفت، وهي حاصن من النساء: عفيفة، كما قال العجاج:
وحاصن من حاصنات ملس عن الأذى وعن قراف الوقس
ويقال أيضا إذا هي عفت وحفظت فرجها من الفجور: قد أحصنت فرجها فهي محصنة، كما قال جل ثناؤه: {ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها} [التحريم: 12] بمعنى: حفظته من الريبة ومنعته من الفجور. وإنما قيل لحصون المدائن والقرى حصون لمنعها من أرادها وأهلها، وحفظها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها، ولذلك قيل للدرع درع حصينة. فإذا كان أصلا لإحصان ما ذكرنا من المنع والحفظ فبين أن معنى قوله: {والمحصنات من النساء} والممنوعات من النساء حرام عليكم {إلا ما ملكت أيمانكم} وإذ كان ذلك معناه، وكان الإحصان قد يكون بالحرية، كما قال جل ثناؤه: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] ويكون بالإسلام، كما قال تعالى ذكره: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] ويكون بالعفة كما قال جل ثناؤه: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] ويكون بالزوج؛ ولم يكن تبارك وتعالى خص محصنة دون محصنة في قوله: {والمحصنات من النساء} فواجب أن يكون كل محصنة بأي معاني الإحصان كان إحصانها حراما علينا سفاحا أو نكاحا، إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء، كما أباحه لنا كتاب الله جل ثناؤه، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله.
فالذي أباحه تبارك وتعالى لنا نكاحا من الحرائر الأربع سوى اللواتي حرمن علينا بالنسب والصهر، ومن الإماء ما سبينا من العدو سوى اللواتي وافق معناهن معنى ما حرم علينا من الحرائر بالنسب والصهر، فإنهن والحرائر فيما يحل ويحرم بذلك المعنى متفقات المعاني، وسوى اللواتي سبيناهن من أهل الكتابين ولهن أزواج، فإن السباء يحلهن لمن سباهن بعد الاستبراء، وبعد إخراج حق الله تبارك وتعالى الذي جعله لأهل الخمس منهن. فأما السفاح فإن الله تبارك وتعالى حرمه من جميعهن، فلم يحله من حرة ولا أمة ولا مسلمة ولا كافرة مشركة.
وأما الأمة التي لها زوج فإنها لا تحل لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها، أو وفاته وانقضاء عدتها منه، فأما بيع سيدها إياها فغير موجب بينها وبين زوجها فراقا ولا تحليلا لمشتريها، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه خير بريرة إذ أعتقتها عائشة بين المقام مع زوجها الذي كان سادتها زوجوها ممه في حال رقها، وبين فراقه" ولم يجعل صلى الله عليه وسلم عتق عائشة إياها طلاقا. ولو كان عتقها وزوال ملك عائشة إياها لها طلاقا لم يكن لتخيير النبي صلى الله عليه وسلم إياها بين المقام مع زوجها والفراق معنى، ولوجب بالعتق الفراق، وبزوال ملك عائشة عنها الطلاق؛ فلما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الذي ذكرنا وبين المقام مع زوجها والفراق كان معلوما أنه لم يخير بين ذلك إلا والنكاح عقده ثابت، كما كان قبل زوال ملك عائشة عنها، فكان نظيرا للعتق الذي هو زوال ملك مالك المملوكة ذات الزوج عنها البيع الذي هو زوال ملك مالكها عنها، إذ كان أحدهما زوالا يبيع والآخر بعتق في أن الفرقة لا يجب بها بينها وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما طلاق وإن اختلفا في معان أخر، من أن لها في العتق الخيار في المقام مع زوجها والفراق، لعلة مفارقة معنى البيع، وليس ذلك لها في البيع.