وأما قوله: {وندخلكم مدخلا كريما} فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض الكوفيين: "وندخلكم مدخلا كريما" بفتح الميم، وكذلك الذي في الحج: {لندخلنهم مدخلا يرضونه} [الحج: 59] فمعنى: "وندخلكم مدخلا" فيدخلون دخولا كريما. وقد يحتمل على مذهب من قرأ هذه القراءة أن يكون المعنى في المدخل: المكان والموضع، لأن العرب ربما فتحت الميم من ذلك بهذا المعنى، كما قال الراجز:
بمصبح الحمد وحيث يمس
وقد أنشدني بعضهم سماعا من العرب:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا
وأنشدني آخر غيره:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا
لأنه من أصبح وأمسى. وكذلك تفعل العرب فيما كان من الفعل بناؤه على أربعة تضم ميمه في مثل هذا، فتقول: دحرجته مدحرجا فهو مدحرج، ثم تحمل ما جاء على أفعل يفعل على ذلك، لأن يفعل من يدخل، وإن كان على أربعة، فإن أصله أن يكون على يؤفعل: يؤدخل، ويؤخرج، فهو نظير يدحرج. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين: {مدخلا} بضم الميم، يعني: وندخلكم إدخالا كريما.
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك: {وندخلكم مدخلا كريما} بضم الميم لما وصفنا من أن ما كان من الفعل بناؤه على أربعة في فعل فالمصدر منه مفعل، وأن أدخل ودحرج فعل منه على أربعة، فالمدخل مصدره أولى من مفعل مع أن ذلك أفصح في كلام العرب في مصادر ما جاء على أفعل، كما يقال: أقام بمكان فطاب له المقام، إذا أريد به الإقامة، وقام في موضعه فهو في مقام واسع، كما قال جل ثناؤه: {إن المتقين في مقام أمين} [الدخان: 51] من قام يقوم، ولو أريد به الإقامة لقرئ: "إن المتقين في مقام أمين" كما قرئ: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} [الإسراء: 80] بمعنى الإدخال والإخراج، ولم يبلغنا عن أحد أنه قرأ: مدخل صدق، ولا مخرج صدق، بفتح الميم. وأما المدخل الكريم: فهو الطيب الحسن، المكرم بنفي الآفات والعاهات عنه، وبارتفاع الهموم والأحزان ودخول الكدر في عيش من دخله، فلذلك سماه الله كريما. كما: