تفسير الطبريالجزء الخامس › سورة النساء › القول في تأويل قوله تعالى: {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم تكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعنكم من المؤمنين}

ابحث في الصفحة

8431 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ألم نستحوذ عليكم} ألم نبين لكم أنا معكم على ما أنتم عليه.

قال أبو جعفر: وهذان القولان متقاربا المعنى، وذلك أن من تأوله بمعنى: ألم نبين لكم إنما أراد أن شاء الله ألم نغلب عليكم بما كان منا من البيان لكم أنا معكم.

وأصل الاستحواذ في كلام العرب فيما بلغنا الغلبة، ومنه قول الله جل ثناؤه: {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله} [المجادلة: 19] بمعنى غلب عليهم، يقال منه: حاذ عليه، واستحاذ يحيذ ويستحيذ، وأحاذ يحيذ.

ومن لغة من قال حاذ، قول العجاج في صفه ثور وكلب:

يحوذهن وله حوذي

وقد أنشد بعضهم:

يحوزهن وله حوزي

وهما متقاربا المعنى. ومن لغة من قال أحاذ، قول لبيد في صفة: وأُتُن:

إذا اجتمعت وأحوذ جانبها وأوردها على عوج طوال

يعني بقوله: وأحوذ جانبيها: غلبها وقهرها حتى حاذ كلا جانبيه فلم يشذ منها شيء.

وكان القياس في قوله: {استحوذ عليهم الشيطان} أن يأتي استحاذ عليهم، لأن الواو إذا كانت عين الفعل وكانت متحركة بالفتح وما قبلها ساكن، جعلت العرب حركتها في فاء الفعل قبلها، وحولوها ألفا متبعة حركة ما قبلها، كقولهم: استحال هذا الشيء عما كان عليه من حال يحول، واستنار فلان بنور الله من النور، واستعاذ بالله من عاذ يعوذ.

وربما تركوا ذلك على أصله، كما قال لبيد: "وأحوذ"، ولم يقل: "وأحاذ"، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله: {استحوذ عليهم الشيطان}