تفسير الطبريالجزء الثاني › سورة البقرة › القول في تأويل قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر}

ابحث في الصفحة

3582 - حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، حدثني الليث، قال: ثنا يونس، قال: قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب: أنه إن حلف رجل أن لا يكلم امرأته يوما أو شهرا، قال: فإنا نرى ذلك يكون إيلاء، وقال: إلا أن يكون حلف أن لا يكلمها، فكان يمسها فلا نرى ذلك يكون من الإيلاء. والفيء أن يفيء إلى امرأته فيكلمها أو يمسها، فمن فعل ذلك قبل أن تمضي الأربعة الأشهر فقد فاء؛ ومن فاء بعد أوبعة أشهر وهي في عدتها فقد فاء وملك امرأته، غير أنه مضت لها تطليقة.

وعلة من قال: إنما الإيلاء في الغضب والضرار، أن الله تعالى ذكره إنما جعل الأجل الذي أحل في الإيلاء مخرجا للمراة من عضل الرجل وضراره إياها فيما لها عليه من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف. وإذا لم يكن الرجل لها عاضلا، ولا مضارا بيمينه وحلفه على ترك جماعها، بل كان طالبا بذلك رضاها، وقاضيا بذلك حاجتها، لم يكن بيمينه تلك موليا، لأنه لا معنى هنالك يلحق المرأة به من قبل بعلها مساءة وسوء عشرة، فيجعل الأجل الذي جعل المولي لها مخرجا منه.

وأما علة من قال: الإيلاء في حال الغضب والرضا سواء عموم الآية، وأن الله تعالى ذكره لم يخصص من قوله: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} بعضا دون بعض، بل عم به كل مؤل مقسم، فكل مقسم على امرأته أن لا يغشاها مدة هي أكثر من الأجل الذي جعل الله له تربصه، فمؤل من امرأته عند بعضهم. وعند بعضهم: هو مؤل، وإن كانت مدة يمينه الأجل الذي جعل له تربصه.

وأما علة من قال بقول الشعبي والقاسم وسالم، أن الله تعالى ذكره جعل الأجل الذي حده للمولي مخرجا للمرأة من سوء عشرتها بعلها إياها وإضراره بها. وليست اليمين عليها بأن لا يجامعها ولا يقربها بأولى بأن تكون من معاني سوء العشرة والضرار من الحلف عليها أن لا يكلمها أو يسوءها أو يغيظها؛ لأن كل ذلك ضرر عليها، وسوء عشرة لها.

وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك بالصواب مؤل من قال: كل يمين منعت المقسم الجماع أكثر من المدة التي جعل الله المولي تربصها قائلا في غضب كان ذلك أو رضا، وذلك للعلة التي ذكرناها قبل لقائلي ذلك. وقد أتينا على فساد قول من خالف ذلك في كتابنا "كتاب اللطيف" بما فيه الكفاية، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.