350 - وحدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: قال سفيان: الصيب: الذي فيه المطر.
حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا معاوية، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء في قوله: {أو كصيب من السماء} قال: المطر.
قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالإسلام مع استسرارهم الكفر، مثل إضاءة موقد النار بضوء ناره على ما وصف جل ثناؤه من صفته، أو كمثل مطر مظلم ودقه تحدر من السماء تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة، وذلك هو الظلمات التي أخبر الله جل ثناؤه أنها فيه.
فإن قال لنا قائل: أخبرنا عن هذين المثلين، أهما مثلان للمنافقين أو أحدهما؟ فإن يكونا مثلين للمنافقين فكيف قيل: {أو كصيب} و"أو" تأتي بمعنى الشك في الكلام، ولم يقل: وكصيب، بالواو التي تلحق المثل الثاني بالمثل الأول؟ أو يكون مثل القوم أحدهما، فما وجه ذكر الآخر ب"أو"، وقد علمت أن"أو" إذا كانت في الكلام فإنما تدخل فيه على وجه الشك من المخبر فيما أخبر عنه، كقول القائل: لقيني أخوك أو أبوك، وإنما لقيه أحدهما، ولكنه جهل عين الذي لقيه منهما، مع علمه أن أحدهما قد لقيه؛ وغير جائز فيه الله جل ثناؤه أن يضاف إليه الشك في شيء أو عزوب علم شيء عنه فيما أخبر أو ترك الخبر عنه. قيل له: إن الأمر في ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه، و "أو" وإن كانت في بعض الكلام تأتي بمعنى الشك، فإنها قد تأتي دالة على مثل ما تدل عليه الواو إما بسابق من الكلام قبلها، وإما بما يأتي بعدها كقول توبة بن الحمير:
وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها
ومعلوم أن ذلك من توبة على غير وجه الشك فيما قال، ولكن لما كانت "أو" في هذا الموضع دالة على مثل الذي كانت تدل عليه الواو لو كانت مكانها، وضعها موضعها.
وكذلك قول جرير:
جاء الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر
وكما قال الآخر:
فلو كان البكاء يرد شيء بكيت على جبير أو عناق
على المرأين إذ مضيا جميعا لشأنهما بحزن واشتياق
فقد دل بقوله: "على المرأين إذ مضيا جميعا" أن بكاءه الذي أراد أن يبكيه لم يرد أن يقصد به أحدهما دون الآخر، بل أراد أن يبكيهما جميعا. فكذلك ذلك في قول الله جل ثناؤه: {أو كصيب من السماء} لما كان معلوما أن "أو" دالة في ذلك على مثل الذي كانت تدل عليه الواو، ولو كانت مكانها كان سواء نطق فيه ب "أو" أو بالواو. وكذلك وجه حذف المثل من قوله: {أو كصيب} لما كان قوله: {كمثل الذي استوقد نارا} دالا على أن معناه: كمثل صيب، حذف المثل واكتفى بدلالة ما مضى من الكلام في قوله: {كمثل الذي استوقد نارا} على أن معناه: أو كمثل صيب، من إعادة ذكر المثل طلب الإيجاز والاختصار.