قال أبو جعفر: وفي قوله: {وتكتموا الحق} وجهان من التأويل: أحدهما أن يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتموا الحق كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل. فيكون تأويل ذلك حينئذ: و لا تلبسوا الحق بالباطل، ولا تكتموا الحق. ويكون قوله: {وتكتموا} عند ذلك مجزوما بما جزم به: "تلبسوا" عطفا عليه. والوجه الآخر منهما أن يكون النهي من الله جل ثناؤه لهم عن أن يلبسوا الحق بالباطل، ويكون قوله: {وتكتموا الحق} خبرا منه عنهم بكتمانهم الحق الذي يعلمونه، فيكون قوله: "وتكتموا" حينئذ منصوبا، لانصرافه عن معنى قوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل} إذ كان قوله: {ولا تلبسوا} نهيا، وقوله: {وتكتموا الحق} خبرا معطوفا عليه غير جائز أن يعاد عليه ما عمل في قوله: {تلبسوا} من الحرف الجازم، وذلك هو المعنى الذي يسميه النحويون صرفا. ونظير ذلك في المعنى والإعراب قول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
فنصب "تأتي" على التأويل الذي قلنا في قوله: {وتكتموا} الآية، لأنه لم يرد: لا تنه عن خلق ولا تأت مثله، وإنما معناه: لا تنه عن خلق وأنت تأتي مثله. فكان الأول نهيا والثاني خبرا، فنصب الخبر إذ عطفه على غير شكله.
فأما الوجه الأول من هذين الوجهين اللذين ذكرنا أن الآية تحتملهما، فهو على مذهب ابن عباس الذي: