كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في جواز الصلح عن المعلوم والمجهول ويأمر بتحليل كل من الخصمين أخاه كما سيأتي في باب الأقضية إن شاء الله تعالى، واختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان في تواريث بينهما قد درست وليس بينهما بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إليَّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها سبعة أسطاماً من عنقه يوم القيامة، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم تواخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه". وفي رواية: إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليَّ شيء فيه، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً، وقال جابر رضي الله عنه: جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! إن أبي قتل شهيداً يوم أحد وعليه دين واشتد الغرماء في حقوقهم، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا أبي فأبوا، فلم يعطهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطي، وقال: سنغدو عليك يا جابر فغدا علينا حين أصبح قطاف النخل ودعا في ثمرتها بالبركة، قال جابر: فجذذتها فقضيتهم منها وبقي لنا من ثمرها سبعة عشر وسقاً.