كشف الغمة عن جميع الأمة، للشعرانيالجزء الثاني › كتاب البيع › باب الصلح وأحكام الجوار والنهي عن البناء فوق الحاجة › فصل في بيان بعض حقوق الجار

ابحث في الصفحة

كان صلى الله عليه وسلم يحث على إكرام الجار بطلاقة الوجه واحتمال الأذى وإعارته الماعون وافتقاده بالطعام كلما عمل ولو بالمرق كما سيأتي مبسوطاً في الباب الجامع آخر الكتاب إن شاء الله. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في حائط جاره". يعني وإن كره الجار ذلك. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "أربعون دار جار". وكان صلى الله عليه وسلم يرخص في إخراج الرواشن وميازيب المطر إلى الشارع. قال أنس رضي الله عنه: وكان للعباس ميزاب على طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى المسجد، فلبس عمر رضي الله عنه ثيابه يوم الجمعة، فلما وافى ميزاب العباس رضي الله عنهما صب عليه ماء ممزوج بدم، وكان أهل العباس قد ذبحوا له فرخين وغسلوا الدم عنهما وصبوه، فأمر عمر رضي الله عنه بقلع الميزاب ثم رجع عمر إلى بيته فطرح ثيابه ولبس ثياباً غيرها ثم جاء فصلى بالناس، فأتاه العباس فقال: يا أمير المؤمنين! والله إنه الموضع الذي وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الميزاب فيه فبكى عمر رضي الله عنه، وقال للعباس: أعزم عليك لما صعد على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل ذلك العباس رضي الله عنهما. وقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل في دارنا، وكان لنا غرفة وبيت أسفل، فقلت: يا رسول الله! اصعد الغرفة فإني لا أقدر أن أسكن بأم أيوب في موضع أعلى من موضعك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الأسفل أرفق بنا لكثرة من يأتينا من الوفود" فلما رأى ما بنا صعد لأجلنا بمتاعه، وكان شيئاً خفيفاً فلما رأينا مشقة ذلك على رسول الله فبتنا(25) تلك الليلة لا يأخذنا نوم أنا وأم أيوب مخافة أن تنقلب في الليل، فينزل الغبار على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانكسرت منا جرة الماء فصرت أنا وأم أيوب ننشف الماء بالكساء الذي كان علينا رضي الله عنهم أجمعين.

------

(25) قوله: فبتنا لعل هنا سقطاً أي أبقيناه صلى الله عليه وسلم في الأسفل حتى يتم ما بعد، اهـ مصحح.

------