أبدى أظهر والحداد في الأصل ترك الزينة للعدة والمراد به إظهار أمارات الحزن والكآبة لموت الصبا على سبيل التشبيه والكآبة الغم وسوء الحال والعزاء الصبر وإذ تحتمل التعليل والظرفية وعليهما فهي متعلقة بأبدى على القول بأن التعليلية اسم وإلا فتعلق معنى فيها والمراد من الصبا هذا ما يدل على التشبيه من اسوداد الشعر بدليل قوله في فوده والفود بفتح الفاء جانب الرأس والجذاذ صيغة مبالغة من جذ بجيم وذال معجمة بمعنى قطع وفاعل أبدى يعود إلى ما سبق وحداد كآبة مفعوله واللام متعلقة بأبدى وهي للتعليل وفي فوده متعلق بمات وقوله جذاذاً حال من الصبا أي أبدى حداد غم حين مات الصبا قطاعاً بموته للذاته وما أحسن قول المتنبي:
ولقد بكيت على الشباب ولمنى * مسودّة ولماء وجهي رونق
حذراً عليه قبل يوم فراقه * حتى لكدت بماء وجهي أغرق
(ن) يقول أظهر حداد الكآبة في رأسه لأجل تعزيته وتصبره حيث مات الصبا قطاعاً للذائذه
ص 135
وشهواته وظهور الحداد في رأسه هو شيب شعره كناية عن لبس البياض الذي كان علامة الحداد في اصطلاح أهل الأندلس عوض السواد حتى قال شاعرهم:
قد كنت لا أدري لأية علة * صار البياض لباس كل مصاب
حتى كساني الدهر سحق ملاءة * بيضاء من شيب لفقد شبابي
(ولأبي الحسن علي بن عبد الله الحصري):
إذا كان البياض لباس حزن * بأندلس فذاك من الصواب
ألم ترني لبست بياض شيبي * لأني قد حزنت على الشباب
وكنى بحداد الكآبة عن ظهور نور الوجود له في مشاعره ومداركه اهـ.