شرح ديوان ابن الفارض، لحسن البوريني وعبد الغني النابلسيالجزء الأول › [القصيدة اليائية] › [مقدمة القصيدة اليائية] › (بَيْنَ أَهْلِيهِ غَريباَ نازحاً * وعَلَى الأَوْطَانِ لَمْ يَعْطِفْهُ لَيّ)

ابحث في الصفحة

بين ظرف مكان تضاف إلى متعدد وأما قوله بين الدخول فحومل فمعناه بين أجزاء الدخول فأجزاء حومل أو أن الفاء بمعنى الواو وعندي أن الواجب كون الفاء بمعنى الواو وهو الذي خطر لي وأما تقدير الأجزاء في الدخول وحومل وإبقاء الفاء على معناها فهو الذي نص عليه التفتازاني وفيه بحث لأن مراد الشاعر بين هذين الموضعين لأن الواقع إن سقط اللوى واقع بين الدخول وحومل لا بين أجزاء كل واحد منهما فتدبر والأهلون جمع أهل وليس مفرده علماً ولا صفة فمن ثم حكموا بأن جمعه بالواو والنون أو بالياء والنون شاذ وإعرابه إعراب الجمع المذكر السالم والغريب البعيد عن وطنه والنازح كذلك ويعطف من باب ضرب مضارع عطفه عليه إذا أماله إليه وجعله يرق لحاله واللي مصدر لواء عليه لياً إذا عطفه (الإعراب) غريباً ونازحاً حالان من الصب الذي هو مفعول تركت وبين أهليه حال من الضمير في غريباً وعلى الأوطان متعلق بيعطفه أو بالمصدر الذي هو لي وجملة لم يعطفه ليّ وعلى الأوطان حال أيضاً من الصب ويحسن إذا روعي في التفنن نكتة عطف جملة حالية على حال مفردة وكان النكتة هنا الإشارة إلى تجدد أسباب عدم العطف على الأوطان بخلاف الغربة والنزح فإنهما وصفان ثابتان للصب (المعنى) قل أيها السائق تركت الصب غريباً عن أوطانه نازحاً عن خلانه حال كونه بين أهليه وإخوانه وتركته أيضاً لم يمله عطف على أوطانه أيضاً وكان الجملة الثانية لتمييز حال الصب عن حال باقي الغرباء فإن من شأنهم الميل إلى أوطانهم وأما هذا الصب فإنه غريب بين الغرباء غير مائل إلى أوطانه وفي جعله غريباً بين أهليه إغراب حيث أثبت له الغربة مع كونه بين الأهلين وما ذاك إلا أن الغربة تقتضي الوحشة والوطن يقتضي الإنس فلما كان مستوحشاً مع أهله لبعد مراد خاطره كان قرب الأهل غير مفيد له الإنس الذي يكون في الأوطان فحكم على نفسه بالغربة باعتبار وجود لازمها الذي هو الاستيحاش بعدم وجود

ص 26

المحبوب وفقد المطلوب وقد قلت في ذلك:

آه من حسرتي وشوقي إليه * إنا لما نأى بأهلي غريب

(ن) غربته بين أهله كنابة عن تحققه في نفسه بالحي القيوم قال تعالى {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} فهو تعالى قيوم على النفوس كلها فإذا تحقق بالقيومية ارتحل عن عالم أهله وبعد عنهم فصار غريباً وهو بينهم وهو مع ذلك لم يعطف على الأوطان الأصلية التي كان فيها قبل ظهوره في عالم الكون وهي حضرة الكلام الإلهي وحضرة العلم الرباني وحاصله أنه خرج من عالم أهله وأمثاله من البشر ولم يدخل في عالم الغيب على التمام لبقاء أثر البشرية عليه.