شرح ديوان ابن الفارض، لحسن البوريني وعبد الغني النابلسيالجزء الأول › [القصيدة اليائية] › [مقدمة القصيدة اليائية] › (فَهَبُوا عَيْنَيَّ مَا أَجْدَى البُكَا * عَيْنَ مَاءٍ فَهْيَ إِحْدَى مُنْيَتَيْ)

ابحث في الصفحة

هبوا أمر من الهبة وفاء الكلمة محذوف وهو واو وعيني مثنى عين مضاف إلى ياء المتكلم

وحذفت نون التثنية للإضافة وما مصدرية ظرفية وأجدى بالجيم بمعنى نفع والبكاء إجراء الدموع من حزن وقد يكون من فرح وقيل ما كان بصوت فهو ممدود وما كان بغير صوت فهو مقصور واستشهد له بقول الشاعر:

بكت عيني وحق لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل

وقد فرق بين دمع الحزن ودمع الفرح بأن الأول يكون سخناً والثاني يكون بارداً ويشهد لذلك قول قيس بن الملوّح العامري المعروف بالمجنون وهو عاشق ليلى حيث يقول:

دعا باسم ليلى أسخن الله عينه * وليلى بأرض الشام في بلد قفر

دعا باسم ليلى غيرها فكأنما * أطار بليلى طائراً كان في صدري

وعين الماء معروفة وهي ضمير لعين الماء وإحدى بالكسر بمعنى الواحدة ومنيتيّ مثنى منية بالضم وهي المطلوب والإضافة اقتضت حذف نون التثنية (الإعراب) هبوا فعل وفاعل وعينيّ مفعوله والياء محلها الجر بالإضافة وما مصدرية ظرفية وأجدى فعل ماض والبكا فاعله والظرف المأخوذ من ما المصدرية الظرفية متعلق بقوله هبوا وعين ماء بالنصب مفعول هبوا وهي مضاف إلى الماء وهي مبتدأ وإحدى خبره وهو مضاف إلى منيتيّ (المعنى) هبوا يا أحبتي عيني عين ماء أبكي بها لأن دمعي قد نفد مدة إجداء البكاء أي قبل حصول الفناء واضمحلال الجسم فإن الدمع حينئذ لا يجدي نفعاً فعين الماء إحدى منيتي فالمنية الواحدة عين الماء ليبكي بها كما تقرر والمنية الثانية الحشا التالي كما ذكرها في البيت الذي بعده وفي البيت الجناس

ص 43

التام بين العين والعين ولا عبرة بزيادة الأولى لأن الذي زادت به على العين الثانية علامة التثنية وهي زيادة لا تقدح في تمامية الجناس وفيه أيضاً الجناس المصحف المحرف بين أجدى وإحدى وفيه أيضاً الجناس المستوي بين ما المصدرية وما الذي أضيفت العين إليه (ن) يعني هبوا عينيّ الظاهرة في عالم الحس والباطنة في عالم المعاني أي عالم الملك وعالم الملكوت مدة نفع البكا لي أي مدة بقاء الوجود منسوباً إلى عين ماء الحياة الحقيقية لأن الماء سر الحياة فإذا سرى سر الحياة الحقيقية في بصر العين الظاهرة كشفت عن عالم الملك وتجلياتكم فيه وإذا أسرى سر الحياة الحقيقية في بصيرة العين الباطنة كشفت عن عالم الملكوت الأعلى وتجلياتكم فيه اهـ.